ابن كثير
109
قصص الأنبياء
فذكر تعالى إنعامه عليهم ، وإحسانه إليهم ، بما يسر لهم من المن والسلوى ، طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعى لهم فيه ، بل ينزل الله المن باكرا ، ويرسل عليهم طير السلوى عشيا ، وأنبع الماء لهم ، يضرب موسى عليه السلام حجرا كانوا يحملونه معهم بالعصا ، فتفجر منه اثنتا عشرة عينا ، لكل سبط عين منه تنبجس ، ثم تتفجر ماء زلالا فيستقون [ فيشربون ( 1 ) ] ويسقون دوابهم ، ويدخرون كفايتهم ، وظلل عليهم الغمام من الحر . وهذه نعم من الله عظيمة ، وعطيات جسيمة ، فما رعوها حق رعايتها ، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها . ثم ضجر كثير [ منهم ( 1 ) ] منها وتبرموا بها ، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ، مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها . فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم ( 2 ) على هذه المقالة وعنفهم قائلا : " أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم " أي هذا الذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها ، وإذا هبطتم إليها ، أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها - تجدون بها ما تشتهون وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية والأغذية الردية ، ولكني لست أجيبكم إلى سؤال ذلك هاهنا ، ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى . وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم ، تدل على أنهم لم
--> ( 1 ) من ا . ( 2 ) ا : ونبههم .